محمد بن جرير الطبري
30
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
بهؤلاء القوم لعلهم يستجيبون ، فأطولت لهم ، وصفحت عنهم ، لعلهم يرجعون ، فأكثرت ومددت لهم في العمر لعلهم يتذكرون ، فأعذرت في كل ذلك ، أمطر عليهم السماء ، وأنبت لهم الأرض ، وألبسهم العافية وأظهرهم على العدو فلا يزدادون إلا طغيانا وبعدا مني ، فحتى متى هذا ؟ أبي يتمرسون أم إياي يخادعون ؟ وإني أحلف بعزتي لأقيضن لهم فتنة يتحير فيها الحليم ، ويضل فيها رأي ذي الرأي ، وحكمة الحكيم ، ثم لأسلطن عليهم حبارا قاسيا عاتيا ، ألبسه الهيبة ، وأنتزع من صدره الرأفة والرحمة والبيان ، يتبعه عدد وسواد مثل سواد الليل المظلم ، له عساكر مثل قطع السحاب ، ومراكب أمثال العجاج ، كأن خفق وآياته طيران النسور ، وأن حملة فرسانه كوبر العقبان . ثم أوحى الله إلى إرميا : إني مهلك بني إسرائيل بيافث ، ويافث أهل بابل ، وهم من ولد يافث بن نوح . ثم لما سمع إرميا وحي ربه صاح وبكى وشق ثيابه ، ونبذ الرماد على رأسه وقال : ملعون يوم ولدت فيه ، ويوم لقيت التوراة ، ومن شر أيامي يوم ولدت فيه ، فما أبقيت آخر الأنبياء إلا لما هو أشر علي لو أراد بي خيرا ما جعلني آخر الأنبياء من بني إسرائيل ، فمن أجلي تصيبهم الشقوة والهلاك ؛ فلما سمع الله تضرع الخضر وبكاءه ، وكيف يقول ، ناداه : يا إرميا أشق ذلك عليك فيما أوحيت لك ؟ قال : نعم يا رب أهلكني قبل أن أرى في بني إسرائيل ما لا أسر به فقال الله : وعزتي العزيزة لا أهلك بيت المقدس وبني إسرائيل حتى يكون الأمر من قبلك في ذلك ؛ ففرح عند ذلك إرميا لما قال له ربه ، وطابت نفسه ، وقال : لا ، والذي بعث موسى وأنبياءه بالحق لا آمر ربي بهلاك بني إسرائيل أبدا ثم أتى ملك بني إسرائيل فأخبره ما أوحى الله إليه فاستبشر وفرح وقال : إن يعذبنا ربنا فبذنوب كثيرة قدمناها لأنفسنا ، وإن عفا عنا فبقدرته . ثم إنهم لبثوا بعد هذا الوحي ثلاث سنين لم يزدادوا إلا معصية وتماديا في الشر ، وذلك حين اقترب هلاكهم ؛ فقل الوحي حين لم يكونوا يتذكرون الآخرة ، وأمسك عنهم حين ألهتهم الدنيا وشأنها ، فقال لهم ملكهم : يا بني إسرائيل ، انتهوا عما أنتم عليه قبل أن يمسكم بأس الله ، وقبل أن يبعث عليكم قوم لا رحمة لهم بكم ، وإن ربكم قريب التوبة ، مبسوط اليدين بالخير ، رحيم بمن تاب إليه . فأبوا عليه أن ينزعوا عن شيء ما هم عليه ؛ وإن الله قد أبقى في قلب بختنصر بن نجور زاذان بن سنحاريب بن دارياس بن نمرود بن فالخ بن عابر بن نمرود صاحب إبراهيم الذي حاجه في ربه ، أن يسير إلى بيت المقدس ، ثم يفعل فيه ما كان جده سنحاريب أراد أن يفعل ، فخرج في ست مئة ألف راية يريد أهل بيت المقدس ؛ فلما فصل سائرا أتى ملك بني إسرائيل الخبر أن بختنصر قد أقبل هو وجنوده يريدكم ، فأرسل الملك إلى إرميا ، فجاءه فقال : يا إرميا أين ما زعمت لنا أن ربك أوحى إليك أن لا يهلك أهل بيت المقدس ، حتى يكون منك الأمر في ذلك ؟ فقال إرميا للملك : إن ربي لا يخلف الميعاد ، وأنا به واثق . فلما اقترب الأجل ودنا انقطاع ملكهم وعزم الله على هلاكهم ، بعث الله ملكا من عنده ، فقال له : اذهب إلى إرميا فاستفته ، وأمره بالذي يستفتي فيه ؛ فأقبل الملك إلى أرمياء ، وكان قد تمثل له رجلا من بني إسرائيل ، فقال له إرميا : من أنت ؟ قال : رجل من بني إسرائيل أستفتيك في بعض أمري ؛ فأذن له ، فقال له الملك : يا نبي الله أتيتك أستفتيك في أهل رحمي ، وصلت أرحامهم بما أمرني الله به ، لم آت إليهم إلا حسنا ، ولم آلهم كرامة ، فلا تزيدهم كرامتي إياهم إلا إسخاطا لي ، فأفتني فيهم يا نبي الله فقال له : أحسن فيما بينك وبين الله ، وصل ما أمرك الله أن تصل ، وأبشر بخير وانصرف عنه . فمكث أياما ، ثم أقبل إليه في صورة ذلك الذي جاءه ، فقعد بين يديه ، فقال له إرميا : من أنت ؟ قال : أنا الرجل الذي آتيتك أستفتيك في شأن أهلي ، فقال له نبي الله : أو ما ظهرت لك أخلاقهم بعد ، ولم تر منهم الذي تحب ؟ فقال : يا نبي الله ،